31 أكتوبر, 2009

الإبداع الأدبي بمدينة بركان : الحصيلة والمسار

بسم الله الرحمان الرحيم، وبه أستعين، وأصلي وأسلم على سيد الأنام محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام،وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فإن ما أسعى إليه من خلال هذه السطور التي أقدمها بين أيديكم، لا يخرج عن الهدف العام الذي سطره الإخوة في منظمة الكشاف المغربي والذي يرنو إلى التعريف بالحركة الثقافية بمدينة بركان، وقد اخترت من بين المجالات الثقافية العديدة مجال الأدب الذي حققت فيه مدينتنا تراكما لا بأس به، واحتلت مرتبة مشرفة داخل خارطة الأدب المغربي مزاحمة بذلك كبريات المدن المغربية، هذا إذا ما وضعنا في الاعتبار ضعف أو بالأحرى غياب البنيات التحتية الداعمة للحركة الثقافية بالمدينة، فلا وجود لمكتبات في حجم المدينة وعمرانها، ولا لفضاءات تسمح بممارسة الفعل الثقافي، فدار الشباب الوحيدة التي تتوافر عليها المدينة أصبحت تثير شفقة الزوار، بل وتنذر بوقوع كارثة حقيقية-لا قدر الله-إذا ما استمر المسؤولون في سياسة صم الآذان.
وأنا إذ أقدم هذا العمل، أنطلق فيه كذلك من يقيني من أن ثلة من ساكنة المدينة، وبالخصوص الناشئة من طلاب وتلاميذ يجهلون وجود مبدعين يحملون مشعل الثقافة بمدينة ظُن أنها أرض بوار ثقافيا،ولا تصلح إلا لممارسة الغرس الفلاحي الذي نعتز به طبعا.

وهذا الحكم - هو الآخر – يؤكده لي القصور الذي شاب الدرس الأدبي المغربي في الأسلاك التعليمية، فإذا كان الأدب المغربي في مجمله يكاد يكون مغيبا فكيف بأدب محلي؟

إن موضوعا من قبيل الإبداع الأدبي بمدينة بركان، لموضوع ليس من الهين القبض عليه، والخوض فيه يلزمنا الانصياع إلى جملة من الضوابط المنهجية، ثم إثارة سؤال المشروعية، فما مشروعية البحث في أدب محلي أو إقليمي؟

فأما الضوابط المنهجية:
فأولاها: الضابط الأجناسي، ذلك بأن البحث سينصب على الأجناس الأدبية الأربعة (الشعر- الرواية- القصة -المسرح) ويستبعد المؤلفات النقدية.
ثانيها: الضابط اللغوي، إذ ستتم الإشارة إلى ما كتب باللغة العربية الفصحى دون غيرها على اعتبار أن ما يكتب بلغات أخرى له خصوصياته المعرفية والمنهجية .
ثالثها: شكل المنشور، يشترط في المكتوب أن يكون مجموعا بين دفتي كتاب، مستثنيا بذلك ما كان مطبوعا ومرقونا، أو ما ينشر على صفحات الجرائد والمجلات، وهذا ليس تقليلا من قيمة هذا الإبداع، وإنما لكون ذلك موضوعا آخر يتطلب بحثا خاصا ومجهودا إضافيا.

وبانتهائنا من تحديد الضوابط المنهجية نجد أنفسنا أمام سؤال المشروعية. فالاهتمام بالأدب المحلي أو الإقليمي- هو الآخر- ضرورة منهجية لا غير غايتها تدقيق البحث وتعميقه وذلك بما توفره للباحث ابن الإقليم من إمكانية الاقتراب من مادة اشتغاله وتقليبها وجها لظهر، وبما تتيحه له من وضع اليد على مواطن السلب والإيجاب، وتشخيص الداء لاقتراح الدواء. وقد ظلت الدعوة إلى تجزيء مكان البحث ومادته مطلب كثير من الدارسين، قدامى ومعاصرين، محليين وأجانب، فهذا الكاتب lucien goldman يدعو إلى تحكيم المنهج الإقليمي في الدراسات الإنسانية، يقول:"فالدراسة الإيجابية في العلوم الإنسانية يجب عليها دائما أن تبدأ بالبحث عن تجزيء للأشياء التي تبحث فيها" والرأي نفسه يؤكده عباس الجيراري في كتابه الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه يقول"إني أرى أنه كلما قسم نطاق الإقليم في الدراسة إلى بيئات صغيرة، كانت دراسة الإقليم مكتملة ومستوفاة، وهذا ما جعلني أحبذ الأبحاث والتواريخ التي ألفت...عن مدن وأقاليم كمراكش وسوس وتطوان والرباط وفاس". فبتجميع هذه الكتابات التي انصبت على مدن وأقاليم بعينها، يمكن إعطاء الصورة الحقيقية للمغرب سواء في تاريخه السياسي أم الفكري.

ومن هذا المنطلق يتولد لدينا الاقتناع التام بأن الاهتمام بأدب إقليم ما ليس تعصبا أعمى ولا نظرة شوفينية ضيقة مقيتة، وليس كذلك انزواء أو تقوقعا على الذات كما ذهب إلى ذلك فوزي البشتي الذي أعطاها مرادف الانعزالية، فرأى أنها تأكيد استعماري يندرج ضمن مخطط يهدف إلى طمس وإذابة كل طموح قومي بمحاولة فرض الأفكار والمفاهيم والتصورات التي تتنافى مع مصالح الأمة العربية، وتتناقض مع أحلامها ومع اتجاه التطور الذي ينبغي أن تسير فيه، خصوصا في عصر يتجه فيه العالم نحو التكتلات.

ويكفي أن أعرض عليكم بعض العناوين القيمة التي تسلح أصحابها بالمنهج الإقليمي فقدموا بذلك خدمات جليلة للأدب والثقافة المغربيين بما انتهوا إليه من نتائج غاية في الدقة في أبحاثهم. أذكر على سبيل المثال لا الحصر.
-مؤلفات العلامة محمد المختار السوسي بدون استثناء
- المسرح الهاوي بفاس للمهدي الودغيري
- الحركة المسرحية بطنجة لرضوان احدادو
- الحركة المسرحية بوجدة من التأسيس إلى الحداثة لمصطفى الرمضاني
- أنطلوجيا أدباء الدار البيضاء من انجاز اتحاد كتاب المغرب فرع الدار البيضاء
- معجم شعراء مراكش لأحمد متفكر

وقد أسعفتنا هذه الضوابط الآنفة الذكر في تحديد حصيلة الإبداع والمبدعين بمدينة بركان في عشَرَةِ شعراء أنتجوا ما مجموعه أربعَة عشْرةَ مجموعةً شعريةً وهم كالآتي:
قدور الورطاسي- الحدائق-1977
أحمد حضراوي- آمنت بالإسلام- 1996
أحمد حضراوي- شذرات -1996
بكاي كطباش- طويلا في صالة المرايا- 2000
الحسين خضراوي- ديوان الأنين- صدر في جزأين- ج1(2000)ج2 (2009)
رشيد اليزناسني- الغرام في عصر الظلام-1994
عبد الله أزبير- شهب2007
محمد غرافي – حرائق العشق- 2002
محمد غرافي- أمضغها علكا أسود-2009
محمد مكتوب- تصريحات- 1984
محمد مكتوب- قارئة الكف- 1991
مصطفى محياوي- دنيا السراب- 1989
مصطفى محياوي- من وراء القضبان- 2002
ميمون البشير عراص- أزهار الشجن الشرقي- 2007

ثم أربعة روائيين أنتجوا خمس روايات:
عبد الكريم برشيد- غابة الإشارات-1999
مصطفى شعبان- أمواج الروح- 1998
مصطفى شعبان- مرايا- 2008
عبد المالك المومني- الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنان- 1996
عبد الباسط الزخنيني- الأشقياء- 2007

وثلاثة قاصين أنتجوا سبع قصص :
محمد العتروس- هذا القادم- 1994
محمد العتروس- رائحة رجل يحترق- 1998
محمد العتروس- عناقيد الحزن- 2002
محمد العتروس- هلوسات- 2002
محمد العتروس- قطط تلوك الكلام- 2009
مصطفى شعبان- وردة الشاعر- 2008
الجيلالي عشي- عصا موسى- 2009

وثلاثة مسرحيين كذلك أنتجوا إحدى عشْرةَ مسرحية
عبد الكريم برشيد- عطيل والخيل والبارود/سالف لونجة- 1977
عبد الكريم برشيد- امرؤ القيس في باريس- 1982
عبد الكريم برشيد- اسمع يا عبد السميع- 1987
عبد الكريم برشيد- عرس الوطن- 1988
عبد الكريم برشيد- مرافعات الولد الفصيح- 1995
عبد الكريم برشيد- الدجال والقيامة- 1999
عبد الكريم برشيد- حكواتي الأخير- 2004
عبد الكريم برشيد- ابن الرومي في مدن الصفيح- 2006
عبد الكريم برشيد- ياليل يا عين- 2006
عبد الحفيظ مديوني- الورشة- 2007
مصطفى رمضاني- بني قردون- 2007
ليست هده الأسماء –بطبيعة الحال- هي كل الفعاليات الثقافية بالمدينة، فكثر هم الشعراء والقاصون والروائيون الذين ما تزال إبداعاتهم حبيسة رفوف مكتباتهم، ونذكر على سبيل المثال الشاعر المقتدر عبد العزيز أبو شيار والقاص أحمد بلقاسم والزجال احمد يعقوبي الذي سيرى ديوانه الزجلي النور عما قريب، وسيكون بذلك قد راكم للمدينه تجربة زجلية ثانية بعد تلك التي دشنها زميله المبدع أحمد عزيزي، ونتمنى أن تلتفت الجمعيات الفاعلة في المدينة وكذا المجلس البلدي ونيابة التعليم ومؤسسات أخرى إلى هذه الأعمال وتعطيها الدعم الكافي قصد إخراجها إلى حيز الوجود، وتثري بذلك المشهد الأدبي والثقافي بالمدينة.

وإذا ما تتبعنا السيرورة التاريخية لهذا الإبداع وجدناه متأخرا عن أول تجربة إبداعية مغربية التي كانت شعرا، بما يفوق ثلاثين سنة، وهي التجربة التي نالت فيها مدينة فاس قصب السبق من خلال ديوان "المثل الأعلى في الصدق والثبات وحسن الإنابة" لمحمد علال الفاسي سنة 1932، وهو فارق يبدو كبيرا، لكن إذا ما اعتبرنا الانطلاقة الحقيقية للشعر المغربي، وبداية توسع خارطته التي انطلقت بعيد الاستقلال مع خفوت صوت البرجوازية الصغيرة، وبالضبط مطلع السبعين، فإننا نجد مدينتنا قد انخرطت في الحركة الإبداعية في وقت لا يمكن أن نسمه بالتأخر كما لا يمكن أن نقول عنه إنه كان مبكرا، وإنما كان ذلك أمرا وسطا. فقد أصيبت المدينة بحمى الشعر سنة 1977 وذلك بصدور حدائق قدور الورطاسي، تزامن ذلك مع دخول المدينة عالم المسرح مع المبدع والناقد والمخرج والمنظر المسرحي عبد الكريم برشيد من خلال مؤلفه الذي ضم مسرحيتين عطيل والخيل والبارود، وسالف لونجة، لتشهد المدينة بعد ذلك ميلاد جنس القصة مع المبدع محمد العتروس سنة 1994 من خلال مؤلفه "هذا القادم" وقد ظل محمد العتروس وحيدا يضخ دماء هذا الجنس الإبداعي في المكتبة البركانية مايربو عن عقد من الزمن، أي من سنة 1994 حتى سنة 2008 زمن صدور وردة الشاعر لمصطفى شعبان، أما الرواية فيرجع فيها الفضل إلى عبد المالك المومني وهو يروي فصول" الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنان" سنة 1996.

إذا بعد هذا العرض التوثيقي لذاكرة المدينة الإبداعية بقي أن نتساءل جميعا هل أخلص هؤلاء لمدينتهم؟ و هل تردد صوت المدينة وصداها داخل ثنايا مؤلفاتهم؟

هذه تساؤلات تحتاج الإجابة عنها إلى فحص دقيق لهذه الإبداعات، نتمنى أن تتاح لنا فرص لقاء أخرى للإجابة عنها.


بقلم محمد رحو

19 أكتوبر, 2009

لعنــة باخوس

الرجل ذو القامة المديدة الناحل الجسم الشاحب اللون، ذو الرأس المغشى بالبياض والعينين الضيقتين والشاربين الأصهبين، يبدو أنه قد خطا خطوات حثيثة في عقده الخامس، خرج كالسهم من الدار البئيسة وترك الباب مواربا عن قصد أو عن غير قصد، كان يرتدي بذلة رمادية اقتطعها من سحابة كئيبة وينتعل حذاء أسود حرص على تلميعه يحدث طقطقة مع كل خطوة كان يخطوها في الزقاق الضيق الطويل كان يرضع سيجارة شقراء ينفث دخانها من فمه الأترم في كل اتجاه، ويرفع رأسه هنيهة ثم يطرقه وقتا طويلا ناظرا إلى الأرض كمن، يبحث عن حل لمشكلة عويصة مثل ثقب الأوزون.
قبل أن يبتلعه الزقاق الضيق الطويل أدركته سيارة وانتشلته من فم الزقاق، ما إن ربط حزام السلامة وأسند ظهره إلى المقعد بادره السائق:
- تبدو شاحبا ومتوترا
- الولد تشاجر مع أخته
- ................!؟
- كأني به يغار منها
- ................!
- الولد كما تعلم بلا شغل، وأمه بدل أن تفض الشجار راحت تصب جام غضبها علي وتلومني كوني لم أساعده على الهجرة إلى الخارج
- تقصد "لحريك"؟
- إنها تنكأ الجراح وتدميها
- هون على نفسك يا صاحبي، لدي البلسم الشافي لجراحك وفي أرقى مشفى
- آ آ آ آ آ آ آه
- لن نذهب إلى الزاوية المعتادة
- لماذا؟
- سنغير العتبة
- ولكن، أنا جيوبي مجروحة هي الأخرى
- ما ولكن والو، واحد الهمزة جابها الله ساهلة ماهلة
- ربما الخيول التي علفتها من زمان حتى سمنت لم تخيبك
- لا خيول ولا هم يحزنون، إنما توسطت للحاج فلان، ودور معي تدويرة صحيحة، الله يخلف عليه.
- بصحتك تستاهل.
تندلق من الفم الأترم ابتسامة لا لون لها ثم يعقبها سؤال مباغت من صاحب الهمزة:
- قل لي هل تشاجرت مع أحد ما فأفقدك جل أسنانك؟
- نعم تشاجرت... مقهقها ها ها ها
- مع من؟ وقيل مع شي بوكسور قوي!
- لا. مع بوكسورة...
- مع من الله يخليك
- مع زجاجة الجعة، كلما حاولت نزع سدادتها بأسناني نزعت هي لي سنا حتى صار فمي كما ترى
- أصبح مثل البزطام
- قل أترم
- لغة الكتب ها ها ها ... ما عطاتك والو أصاحبي.
- صدقت أنا أعرف فقط كيف تكتب الهمزة أما أنت فتعرف كيف تكسب الهمزة ها ها ها . قهقهة كأنها حشرجة الموت.
في الزاوية المصنفة اتخذا لهما مكانا مرموقا، هرع إليهما النادل فنقده ذو الهمزة الساهلة الماهلة وطلب منه الكثير من الزجاجات وذو الفم الأترم ازدادت عيناه ضيقا، بينما انبسطت أسارير وجهه المكدود، وكلما ناولهما النادل البلسم الشافي كلما انحلت عقدة الفم الأترم..
من الباب الذي ترك مواربا خرجت فتاة هيفاء ممشوقة الجيد رشيقة القوام في ذروة الطراوة مرفوعة الرأس، التفاتاتها ونظراتها إلى المارة تنم عن كبرياء مفضوح، كانت ترتدي قميصا حريريا نصف كم مطرزا بالأبيض والأسود، كأنما قدمن جلد نمر، وسروالا لاصقا بلون أبيض، يتراءى من خلف هذه الثياب الشفيفة قدها المصقول. ما أن خطت خطوات محسوبة في الزقاق الضيق الطويل حتى تلقفتها سيارة عصرية
- ما بك يا جوهرتي؟
- أعصابي متوترة أف ف ف ...
- لم هذا التوتر والتأفف يا لؤلؤتي النفيسة؟
- أخي يحرجني أمام الوالد والوالدة دائما يعيد أمامهما أسطوانتها المشروخة
- افصحي
- يسألني من أين لك هذا وهي تشير إلى هاتفها الخلوي، ومن أين لك هذه وهي تمسك بالسلسلة الذهبية المتدلية على الصدر بلا مبالاة، ومن أين لك هذا وهي تشير إلى الخاتم في الأصبع الوسطى في اليد اليسرى تمنيت لو أنه"حرك"
- "صبري شويه داب يتهرسو لو القرون" وهو يركن السيارة بمحاذاة الزاوية
- أوكي ، باي
ودعته بقبلة على الخد الحليق، ابتسمت ثم حملقت في عينيه، باد لها الابتسامة والنظرات حتى باب الزاوية، غمزها غمزة برتقالية بعين السيارة.
قبل أن تباشر عملها المعتاد حرصت على تعكير الشفتين بلون البن وتكحيل العينين بلون الليل، ورسمت على الخدين ظلين محتشمين، وصففت شعرها الأملس ذا اللون الحجري ثم أسدلته على الكتفين وتعطرت بعطر الإغراء والإثارة وشدت إزرها بحزام يتوهمه الناظر هالة تطوق جرما. تذكرت لهنيهة تلاسنها مع أخيها رغم أن كلماته كانت تخرج من فمه موؤودة مثل شهادته الجامعية. تنهدت وزمت شفتيها كأنها تتذوق طعم بنّهما.
باشرت عملها في الزاوية ذات الدرجة الرفيعة خمسة نجوم، حيث ذو الهمزة ما انفك ينقد النادل نقدا على بلسمه الشافي وذو الفم الأترم ينقده ابتسامات لا لون لها وكلاهما يطلب المزيد من الدواء والنقد والابتسامات حتى إذا ما رأى ذو الفم الأترم الهيفاء تتلوى كأفعى في- جامع الفنا- قام يريد مراقصتها، لم تسعفه قدماه وإن أسعفته الكأس، كانتا تنثنيان واهنتين كأنهما مصنوعتان من الشمع.
مثل ديك مذبوح نشر جناحيه على ذراعي الأريكة وبسط الساقين الرخوتين مثل خشبتين متوازنتين. لفظ أنفاسه دفعة واحدة وترك رأسه الثقيلة تتدلى نحو الصدر، لقد انتقل إلى عفو باخوس في ملكوته حيث رآه رأي العين يطير ويرف بجناحي ورق الدالية ورأى عينيه ترشح منهما بنت الكروم النواسية المعتقة، دنا منه فضمه بين جناحيه وأعطاه مفتاح المفاتيح، فشكر باخوس على جوده وكرمه، فالمفتاح الذي طالما تمناه ملكا له هو الآن بين يديه سيخلصه من ذل الكراء وسيضع حدا لشجار الأخوين كما سيضع خمسة ممتلئة في فم الزوجة الشامتة وسيريحها من اللجوء إلى قاموس الاعتذار للكاري. نفض جناحيه وصاح ملء منقاره الزجاجي أين أنت يا صاحبي يا ذا الهمزة، بحث عنه ليريه مفتاح الأزمات بحث عنه بين العيون الحمر والرؤوس المترنحة في تثاقل والبطون المنتفخة وبين الزجاجات الملأى والفارغة، رمقه وسط سحابة دخان كثيف من الألوان القزحية، كان يراقص أفعى ويده تدس أوراقا بنكية تحت ورقة التوت الشبقية، تقدم نحوهما متمايلا ثملا يريد مجاراتهما في التواءاتهما حدجته الأفعى، فزعت لرؤيته فتوارت عن الأنظار، سأل صاحبه ذا الهمزة عن سبب نكوصها لم يلق منه جوابا بل رد عليه مازحا:
- ربما خافت من فمك الخرب وجسمك النحيل كعود ثقاب
- وحق باخوس ما أردت إلا مراقصتها
لم يكد ينهي كلامه حتى امتدت يد "الفيدور" السليطة الطليقة فكمشته كمشة واحدة وألقت به خارج الحلبة.
بعد غيبوبة استفاق وقام كما يقوم كلب تجرع سما، وهو يرتعش زائغ النظر تائه الخطو ودوار شديد يعصف برأسه. وبينما هو يبحث عن بوصلته إذ بدورية أمن تنتشله من دوامته، سيق إلى مخفر الشرطة ورجلاه لا تطاوعانه صعودا ونزولا وانعطافا في المخفر، لما طلعت عليه شمس الصباح وجد نفسه يقاوم أسئلة محرر المحضر
- ما اسمك؟
- حماد الراوي
- ظاهر عليك راوي، راوي مزيان
- اسم أبيك
- قويدر الراوي
- اسم أمك
- حدهوم بوشارب
- ما فيه شك شربت حتى رويت
- ماذا تشتغل؟
- لماذا أنا هنا؟
- أريد جوابا لا سؤالا
- أستاذ
- أين تسكن؟
- حي الكرم، زنقة التيسير رقم1. لماذا أنا هنا؟
- بل قل لماذا ذهبت لتعثو فسادا في الزاوية؟
- لم أفعل شيئا، إنما أردت أن أرقص.
- بتصرفك هذا تضع العصي في عجلة تنمية البلاد
- أردت فقط مراقصة إحدى الحيات
- أنت لست-عيساويا- اتقينا فيك الله ما بغيناش نخرجولك على خبيزتك مفهوم؟
- نعم فهمت، شكرا
- احذر لعنة باخوس، هيا انصرف
- باخوس باخوس!
خرج لا يلوى على شيء، لما ولج الباب الذي تركه مواربا رأى الأفعى الراقصة التي كانت تتلوى على خشبة الزاوية في شجار عنيف مع ولده دنا منها وهو يقول إن الحيات تشابهت علي، حتى إذا صار قاب قوسين أو أدنى من القميص الحريري المطرز بالأبيض والأسود المقدود من جلد نمر، والسروال الأبيض اللاصق الشفيف والقرطين الدائريي الشكل المعلقين بشحمة الأذنين المتراقصين بلا توقف كلها شهود إثبات على إدانة الأفعى لكن لسانه تصلب، وارتعش جسمه، وشحب لون وجهه، تخشبت الألسنة كلها؛لسان الأب،لسان الأم،لسان البنت ولسان الولد، فنابت عنها لغة العيون... عيون تستنكر، عيون تبرئ وعيون تدس العار في الصدر على وهن
أخرج سيجارة شقراء وألقى بنفسه في الزقاق تاركا الباب مواربا خلفه أدركته سيارة ذي الهمزة،
- قل أين اختفيت البارحة ؟
- شفطتني الفاركونيت
- تكرفسو عليك
- لا، إنما حذروني من وضع العصا في عجلة تنمية البلاد كما حذروني من لعنة باخوس
- آش يكون هذا باخوس؟ شي ولي صالح؟
- سأكلف كَوكَل بالبحث عنه
- شنو هذا كَوكَل عاودتاني؟
- غول غول كبير فمه أترم مثلي
- أترم. لغة الكتب اللي ما عطاتك والو...!
- أترم وحيد القرن ها ها ها .
- ها ها ها كركدان تعني؟
- لا أترم وحيد السن مثلي تماما.. ماشي كركدان


أحمد بلقاسم
بركان يونيو 2008

16 أكتوبر, 2009

الدورة الرابعة للصالون الأدبي العربي ببروكسيل

بروكسيل 14-10-2009- ذكر منظمو الدورة الرابعة للصالون الأدبي العربي ببروكسيل الذي سينعقد ما بين 23 و25 أكتوبر الجاري، أن المغرب سيكون حاضرا بقوة، من خلال مشاركة عدد كبير من الكتاب والشعراء والموسيقيين المغاربة.
وتتوخى هذه التظاهرة الثقافية التي تنعقد هذه السنة تحت شعار "إلى جانب ولادة"، أن تتحول إلى فضاء للتعبير والتبادل بين الكتاب والشعراء العرب والأوروبيين حول شخصية ولادة التي تمثل النموذج النسائي للكتابة الشعرية وتسكن، منذ زمن بعيد، الثقافة العربية.
ويعتبر الشاعر المغربي ومدير الصالون طه عدنان، أن هذه الدورة جاءت لتدعم الحضور المغربي على الساحة الثقافية العربية والدولية وتمثل تكريسا لغنى بروكسيل العاصمة متعددة الثقافات.
وأضاف أن كلا من سهام بوهلال ومحمد ميلود غرافي و جمال بودومة و علال بورقية من ضمن آخرين من أدباء المغرب سينشطون النقاش إلى جانب نظرائهم العرب والأوروبيين.
ويكرم الصالون، الذي ينظم بمبادرة من المركز الثقافي العربي بتعاون مع البيت الدولي للشعر، ابنة آخر الخلفاء الأمويين في مملكة قرطبة، منطلقا من العنصر النسائي الذي نجح في إسماع صوته.
وفضلا عن كونها أميرة، فإن ولادة بنت المستكفي كانت وستظل، تعبيرا عن الشعر النسائي الأندلسي. كما أنها تمثل رمزا واضحا لأندلس ممتزجة الأعراق لكون والدتها يونانية.
وسيتضمن برنامج الدورة قراءات شعرية بالعربية والفرنسية والانجليزية ومعرضا للفنون التشكيلية وسهرات موسيقية ومسرحية فضلا عن لقاءات لمناقشة أعمال الأميرة الشاعرة ولادة.
وعلاوة على المغرب، فإن بلدانا أخرى من بينها العراق وسوريا والجزائر وتونس وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا ولوكسومبورغ وتركيا ستكون حاضرة في هذا اللقاء.

عن وكالة المغرب العربي للأنباء

09 أكتوبر, 2009

عن ديوان أمضغها علكاً أسود

Yamal ©


بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على الصفوة المختار من خلقه أجمعين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.
في البداية أود أن أتوجه بجزيل الشكر وعظيم الامتنان لمن كان لهم الفضل في تيسير أواصر اللقاء بين مثقفي المدينة ومبدعيها في هذا السمر الشعري، الإخوة في جمعية أبركان للثقافة والتراث الذين ما فتئوا يخطون الخطوة تلو الخطوة من غير كلل أو ملل في سبيل إعلاء صرح الثقافة شامخا في هذه المدينة التي لطالما صنفت في الهامش. فبالرغم من فتو الجمعية فهي ترتقي مدارج العمل الثقافي بثبات، وقد استطاعت أن توفر لنفسها ربيرتوارا زاخرا من الأنشطة يبوئها مصاف الجمعيات العتيدة.
وارتباطا بعمل الجمعية الثقافي دائما هاهي الآن تضيف لبنة أخرى إلى بنائها، وذلك من خلال احتفائها بمولود محلي جديد موسوم ب "أمضغها علكا أسود " حمل توقيع الابن البار لمدينة بركان الشاعر المتألق محمد ميلود غرافي. وللتذكير فان هذه الأضمومة الشعرية تمثل التجربة الشعرية الثانية للشاعر المحتفى به بعد أن كان قد أهدى المكتبة البركانية بخاصة والمغربية بعامة تجارب عشقه المريرة سنة 2002 أودعها مجموعته الشعرية الأولى تحت عنوان "حرائق العشق".
وبتتبعنا لمسير الشاعر الإبداعي نجد ما بين الديوان الأول والثاني مساحة زمنية مهمة راوحت ست سنوات وهي فترة كافية بأن تقدح وهج الكلمة ولظاها في الشاعر، وتساعده على اختمار الفكرة ونضج التجربة وفي الأخير على يسر الولادة. ولعل حرص المبدع - أي مبدع- على الانتظام في إخراج إصداراته إلى حيز الوجود أمر محمود يحسب له، ويوليه النقاد أهمية قصوى في قراءاتهم النقدية.
صنف بعض النقاد –ومنهم حسن توفيق- الشعراء إلى مجموعتين: شعراء يواجهون الواقع مواجهة المتخاذلين وكان على رأسهم الشاعر الانجليزي الكبير إليوت، وآخرون يواجهونه مواجهة المتجاوزين له، وكان الشاعر الألماني بيرتولد بريخت مثالا لهم.وضمن هذا التصنيف حاولت أن أموضع شاعرنا محمد ميلود غرافي فتراءى لي أنه احتار سبيل الغاضبين الثائرين ليعلنها حربا شعواء ضد واقع قمئ ضحل، و إلا كان سيختار مضغها علكا بنكهة "الفاني" بدل أن يصر على مضغها علكا أسود.
وتبدأ هذه الثورة وهذا الغضب مع فاتحة هذه المجموعة الشعرية، ففي أولى القصائد يطلعنا الشاعر على واقع عربي مرير استشرى فيه التقتيل والتذبيح وانتهكت فيه الكرامة الإنسانية وضاعت النخوة العربية، فأصبحت صور الدمار مألوفة لدينا وجزءا من حياتنا اليومية، لكن إذا كانت حيوانية الإنسان قد خيمت بظلالها على هذا العالم فإن إنسانية الحيوان -ومن خلال قطة الشاعر- ستعيد له التوازن. وكيف لا وهي قطة ملتزمة بقضاياها العربية أيما التزام كما جاء في الديوان (ألم ترها ترقب عن كثب نشرة أخبار الليل ولا تأكل عند مرور الدبابة في بغداد وتسعل حين تشاهد قطا يعلو قطته في أفلام السبت؟ إذن دعها حسب تعيش.
هي مثلي أو مثلك
لا تسعفها لغة
أخرى
حين تعض.
) ص:8
لقد حرك هذا الواقع المرير الصغار قبل الكبار حتى وإن كانوا لا يفهمون لغتهم ولا يعون شيئا مما يحيكونه ضدهم، ونموذج ذلك الطفلة لينا التي كانت تصرخ في وجه رئيس الجمهورية المنتفش غيضا في صورة القط الذي يحكي قصة الأسد، كلما ظهرت صورته على شاشة التلفاز. وهذا ما نقرأه في قصيدة الصرخة (لينا لا ترسم بعد شجيرات وعصافير.ولا تفهم شيئا في تخصيب اليورانيوم ولا حتى في الهجرة والحد الأدنى للأجرة.لكن حين تشاهد في التلفاز رئيس الجمهورية كل مساء تصرخ، تلقي بالدمية أرضا وتصيح بما يشبه صوت الناخب حين يجن:آآآآ) ص:28
كما نجد الشاعر في هذا الديوان مهوسا بقلق السؤال، فاتخذه سبيلا لإبراز النقائص و السلبيات، نستشف ذلك من قصيدة "نشاز" التي يقدم لنا الشاعر على ضوئها صورة الجيل الأول من المهاجرين في أعين الأوربيين إذ كانت نظرتهم إليهم نظرة دونية، ولربما اعتبروهم شعبا بدائيا منبت الصلة عن كل حضارة، وهذا واقع كرسه هذا الجيل الذي لم ينعم بقسط وافر من التعلم في بلده الأم، قصد الضفة الأخرى بحثا عن حياة اقتصادية واجتماعية بديلة. ولعل هذه الصورة النمطية التي ارتسمت في أذهان الأوربيين ما تزال طاغية بالرغم مما شهده العالم من تطورات وتغيرات سريعة. ففي بحر القصيدة نرصد هذه التساؤلات التي راودت ذهن الشاعر والتي كانت مثار حيرته وانزعاجه من تصرفات جارته مرغاريت التي لم تستسغ أن يكون هذا الإنسان العربي- بالرغم من كونه يمثل النبوغ المغربي- متزنا في تصرفاته لبقا في تعامله، بل أكثر من ذلك فقد أرقها أن ترى إنسانا أسمر على قدر كبير من الاحترام.يقول الشاعر( ثم تغادر مسرعة و أنا أتساءل ماذا لم تسمع جارتي الليلة ؟ صوت التلفاز؟الرد على الهاتف؟أغنية الراي؟صرير القلم؟ المضغ؟...) ص:11
وتزداد الأسئلة تناسلا في قصائد أخرى من الديوان، باحثة عن الثغرات والعثرات، كاشفة للأستار والحجب كما في قصيدة "برج الأسد". وهذه الأسئلة هي ما يمنح قصائد المجموعة الشعرية قوة، بل ويجعلها أكثر قربا من القارئ، ذلك بأن الشاعر لا يمنح القارئ الأجوبة الجاهزة عن هذه التساؤلات، فهو بحنكته الأدبية والفنية العاليتين يورط القارئ فيها، ويجعل منه شريكا له في الانشغال بما تثيره من قضايا، لأنه يعي بأن الحلول لا تحصل إلا بالإجماع. وهذه تقنية في الكتابة الإبداعية يتميز بها الأفذاذ من المبدعين، يقول ستيفن سبندر في هذا الصدد "الشعر العظيم كله يتأمل العالم والإنسان وقوانينه وأديانه، ويتساءل لماذا، لماذا تجري الأمور على هذا النحو بينما كان من الممكن أن تجري على نحو آخر" والرأي نفسه يؤكده نجيب العوفي في قوله" والقصيدة الشعرية الحقة كانت وما تزال دوما بنت قلق وأرق وخلاصة إشكالات وتساؤلات "
قبل أن ترى هذه الأضمومة الشعرية النور، كنت، وكنا ربما جميعا لا نعرف بعضا من جوانب شخصية الشاعر محمد ميلود غرافي الفنية فقد كنا نحسبه شاعرا يمتطي صهوة العروض العربي تارة، وتارة أخرى يكسره ويثور عليه ملبسا إياه قضايانا الراهنة كما هو ديدن جل المبدعين، غير أن هذه المجموعة جعلتنا نكتشف خبايا هذه الشخصية الإبداعية وانشغالاتها الفنية المتعددة، وسيكاد يجزم القارئ معي أن الشاعر "مجدوب الكصبة" وذلك من خلال احتفائه بفن تراثي أصيل وهو فن المشيخة في شخص الفنانة الجزائرية الشعبية الراحلة الشيخة الريمتي، وذلك في قصيدة "غزالها والنوار" ومنها سأقرأ لكم هذه "التبريحة"
( الغربة عشات والناس تقاسي
تمشي وتهيم ف شوارع ليلية
من لا شابيل حتى لكليشي
تبحث ع البندير والسعدية
والقصبة من تحزن وتنسي
وتبعث لهموم ف قلوب فتية
) ص54
لا شك أن الشاعر كان يجد في هذه المواويل متنفسا لتفريغ بعض هموم الغربة، وجسرا من الحنين يشده إلى الوطن الأم، لكنه- وهو كذلك- يأبى أن ينسي هز الأكتاف والأرداف في باربيس ليالي السبت الوافدين إلى أرض الغربة أو المقيمين بها نصيبهم من الألم الشديد، لأن غزال الشيخة الريميتي قد يكون غزالها هي وحدها، ورحل برحيلها أما الآن فقد أصبح ذئبا أغبر يجوس الأزقة والدروب باحثا له عن فريسة.
إن الشاعر- وهو يحتفي بفن المشيخة في هذه القصيدة- يسعى إلى تأصيله باعتباره فنا راقيا يمثل ذاكرة أمة ومخزونا ثقافيا تليدا ضاربا بجذوره في أعماق التاريخ، إن الشاعر بعبارة أدق يرفض فلكلرة التراث.
قبل أن أنهي هذه الورقة وددت أن أحيل نظر القارئ على المادة التي حيكت بها قصائد هذه المجموعة الشعرية، اقصد اللغة التي اعتمدها الشاعر في سبك قصيده، ذلك بأن الفكرة والموضوع وبحور الشعر أحيانا لا يمكنها أن تعطينا شعرا مهما ارتقى الشاعر في تجويدها، إذ العبرة بالأداة التي تحتوي هذا الطبق الشعري أو ذاك. و قد قال الجاحظ قديما" من أعطاك علما بلغة رديئة كمن أعطاك عسلا في كأس متسخ"والفاحص للغة المجموعة الشعرية سيجدها لغة أنيقة منتقاة لا هي بالوحشي المتوعر ولا هي باليومي المبتذل، فهي لغة شعرية تخزن داخلها ألف لغة ولغة، لأن الشاعر لم يعمد إلى قول كل شيء، عن طريق أسلوب مباشر تقريري، وإنما ترك مساحات بيضاء يتوجب على القارئ ملأها، وذلك بإعمال ذهنه وإجهاد فكره حتى لا تكون قراءته قراءة مسلية أو روتينية، وإنما قراءة إبداعية تتيح للقصيدة أن تنكتب من جديد كلما وقعت بين يدي قارئ جديد، وهكذا ستغدو القصيدة الواحدة قصائد متعددة.
إن الشاعر يترفع عن العاديات من القول بما يضمن له ولقصيده التميز والفرادة، وإلا كيف يمكن التمييز بين كلام من شعر وكلام عادي، فكلام الشاعر إيقاع وإيجاز وجمال وقوة وتماسك ونظام وتنوع شكلا ومضمونا، وإيماء إلى الشيء دون التصريح به، لأنه يعي أن في اللمحة ما يكفي من الجراح، وحتى لا يكون هذا الحكم إلقاء للكلام على عواهنه الفت نظر القارئ إلى بعض العبارات التي حبلت بها المجموعة في مثل قصيدة" أنظر كيف يطير" والضمير هاهنا عائد على الحذاء "ضعه قريبا من رأسك، تسمع كل صداع الأرض، أنين الآشوريات الإسفلت الحارق، نبض الموتى، رعب الليل الفسفوري" فهذه العبارة على قصرها فهي حبلى بالمعاني العميقة والدلالات الكثيفة، فالشاعر يجعل من هذا الحذاء شاهدا وشهادة على مغص الأرض العربية وأنينها الذي طال واستطال ولا من مجيب.حذاء يريده الشاعر أن يثير النقع في يوم الكريهة وفي ساحة الوغى لا في ساحات المهرجانات الإيقاعية الراقصة.
إن ما أشرت إليه هاهنا من معان ومبان وموضوعات ما هو إلا برض من عد وقليل من كثير اجتزأته من قطوف هذه الحديقة الغناء، وإلا كنت سأمضي في قطف زهراتها بعيدا وربما لا أؤوب. عند هذا الحد أقف لأترك الفرصة للقراء ليبحروا بدورهم وبأدواته الخاصة في محيط هذا الديوان اللجي، ويستخرجوا كنوزه ودرره النفيسة، ففيه من اللآلئ ما يغري بالغوص في أغواره.



محمد رحو¤ بركان

02 أكتوبر, 2009

حقك من السماد


عيون السنابل الخضراء ترعاه و ترقبه، و هو بين خرير الماء و صداح العصافير المنتشية بصفاء الطبيعة في ذلك الفصل الربيعي الرائق، و صوت ابنة عمه الرخيم يطرق أذنه و يلاحقه أينما اتجه، احساس لا يقاوم ينتابه و هو يضرب الأرض الصلبة بالمعول، أحلام تنسجها التربة عند ارتوائها بماء المطر و أشعة الشمس لا تفتأ تغازلها . تلك صورة من الماضي يستحضرها كلما اشتد عليه الحال أو ضجر من امتزاج الأصوات البشرية بالآلية و خنقت أنفاسه رائحة الغازات السامة التي تصدر عن ناقلات هادرات باستمرار في فضاء اتسع حتى ضاق .

مد يده الواهنة في جرأة طالبا صدقة، بعد أن أعياه البحث عن القوت في صناديق القمامة، اذ لم يعد يفكر مطلقا في الحصول على المال عن طريق الاحتيال و النشل أو اعتراض سبيل المارة في بعض النواحي المظلمة التي لا يمر منها الا القليل من الناس، فالخير ما زال يقرفص في قلبه . و بعد عذاب دام أشهرا قليلة استقر به الحال ليشتغل مساعدا لحارس سيارات .

مرة وقفت احدى السيارات في المربد الذي يشرف عليه فما أن رأى علامة حمراء تشبه المنجل خلفها حتى اهتاج و أخذ في الصراخ . اقترب منه صاحبه و قال : هل سرق أحدهم سيارة ؟
لا.. لا.. دعني أكسرها و أكسره
عمن تتكلم ؟
عن الذي أوصلني الى هذه الحال

بعد أن تمكن صاحبه من السيطرة على غضبه، قصد مقهى مجاورة فأحضر له كأسا من الشاي، و نفحه سيجارة و أخذ يحكي له عملية النصب الكبيرة التي تعرض لها .

طرق الباب في يوم صيفي حار، مشطت شعري بأناملي، و ذهبت لأفتحه في عجالة معتقدا أن عيوش أتت لتقدم لي قدحا من لبن عودتني عليه، و لترميني بنظرات كالسهام يهتز لها قلبي، تريثت بعض الشيء دسست يدي في جيبي فأخرجت منه مشطا و رحت أمرر بأسنانه الحادة على شاربي الكثيف . و لما اشتد الطرق سبقتني والدتي الى الباب، و عند فتحه انتابتها الدهشة و هي تقف وجها لوجه مع مقدم الدوار، لم يوقظها من سهوها الا سؤالي عن الطارق، فأجابتني في ارتباك واضح :
المقدم يشرفنا بزيارته اليوم
قلت لها : أدخليه

دخل المقدم مسبوقا ببطنه الضخم، راسما على وجهه شبه ابتسامة، فما أن اقترب مني حتى ارتمى علي معانقا و مصافحا بشكل ودي زائد .
تبادلت و أمي نظرات استغراب، لأن المقدم لم يكن يصل مزرعتنا الا لأخذ كبش سمين قبل عيد الأضحى عنوة، أو ليتسلم حقه مما تنتجه الأرض كأنه وريث شرعي، أو ليعين لنا الورقة التي يجب علينا وضعها أنا و والدتي و نيابة عن والدي المتوفى، يوم الانتخابات .
ساد الصمت لحظة بيننا، في حين تسللت العجوز الى العشة لتعد الشاي و بعض الفطائر احتفاء بزيارة المقدم المباركة . و لإذابة جليد الصمت قلت :
إن الذرة لم تنضج بعد كما ترى، فتدخل المقدم قائلا :
يجب الا يذهب تفكيرك بعيدا يا السٌي حمٌو، فأنا ما جئت هذه المرة إلا لأطلب منك الذهاب إلى المدينة لتتسلم حقك من السماد مجانا.
استغربت قوله، فما تعودنا أن نأخذ، بل تعودنا على أن نعطي مكرهين. و لم أحس المقدم باستغرابي، قال :
أعرف أنك غير واثق فيما سمعته مني، و لكي أختصر أقول إن من صوت لصالحه في الانتخابات السابقة، طالب بتوزيع السماد مجانا على المزارعين، و قد ضرب معي موعدا ليقضي حاجته غدا في المدينة.
ولما تعب حمو من الكلام قال لصاحبه سأكمل لك الحكاية غدا. لكنه مات من شدة الحسرة، و بقيت الحكاية مبتورة، و لم تكتمل إلا بعد بحث و تقص قام به حارس السيارات، فحكاها بدوره لمساعده الجديد، لكنه لما توقف أخبره صاحبه بأنه قد أوقف سرده عند الموعد الذي ضربه المقدم مع حمو، فواصل الراوي حكايته قائلا :
قام المقدم و صافح حمو من جديد منبها إياه إلى ضرورة الاستيقاظ باكرا في الغد، و اصطحاب بعض الوثائق التي تخص المزرعة معه
قبل صياح أول ديك، كان حمو يرتشف الشاي الساخن، و هو يرتدي جلبابا خصصه لمثل تلك المناسبات. و انطلق بعد ذلك نحو مبنى الجماعة حيث يسكن المقدم. نقر الباب برفق، ففتحه له بسرعة. وضع يده في يده، و ركبا سيارة الجماعة، جنبا إلى جنب، و انطلقا نحو المدينة

بعد وقت يسير وصلا، فأشار المقدم بيده إلى حيث يوجد النائب المحترم قائلا
انظر إن النائب هناك في انتظارنا، ألم أقل لك إنه يحترم المواعيد
و نزلا من السيارة، اقتربا منه، أحس حمو ساعتها بحياء شديد، ارتعشت يده و هي تلمس يد النائب المحترم، بينما ارتمى الآخر على حمو مصافحا إياه في تواضع نادر.
صعدوا جميعا سلم البناية، خرجوا من مكتب ليدخلوا آخر، توقيعات و بصمات على أوراق لم يكن يعرف المسكين عن فحواها أي شيء. و ما هي إلا دقائق معدودة حتى انتهى كل شيء ...

أخذ النائب المحترم جدا بعض الوثائق، رتبها في حقيبته السوداء، و ركب سيارة الجماعة إلى جانب المقدم. انتظر حمو أن ينادي عليه للركوب، و لكن انتظاره لم يطل، فقد انطلقت السيارة مخلفة وراءها بعض الدخان الممزوج بقهقهات النائب المحترم جدا، جدا
و لما انتهى الراوي من الحكي، أطرق صاحبه رأسه حتى لا تكشف عيناه عن حكايته التي ظلت سجينة ذاكرته من سنين عديدة

قصة قصيرة
حسن المزوني
1994

Yamal ©

29 سبتمبر, 2009

دمـعُ الغـريب


اُرسُمِ اللوحةَ يا نهرَ
الفراتْ
مِنْ سوادِ الدهرِ والليلِ
السجينْ
وامسحِ الصخرَ بدمعِ
النازحينْ
عُجْ على البيتِ العتيقِ
قلْ لهُ :
غربةٌ تنفخُ جمرَ
التائهينْ
في سوادِ البحرِ والحُلـْمِ
البهيمْ
وطنٌ يأسرُ حَربًا
مِنْ سنينْ
أين ذاكَ البيتُ في ظلّ
النخيلْ ؟
أينَ خبزُ الأمّ
يطويني الحنينْ
وغروبُ الشمسِ خلفَ النهرِ
يسبي الحالمينْ ؟
قبلة أهدي
على نورِ الجبينْ
وطنٌ يحبو على جُرْحِ
السنينْ
في ظلال التيهِ
قصفٌ
وجنونْ
وكلابُ الحيّ تقتاتُ
على ثوبِ
السجينْ
سجَعتْ ” ليلى ” ليالٍ
في ظلالِ البرْقِ ترجو
القاتلينْ
فجرى النهرُ غديرًا
أحمرَ النبعِ على
خدّ البنينْ
أسدلَ الدهرُ ستارَ الفجرِ
في عينِ
الغريبْ
وطنٌ يقتاتُ منْ
عظمِ قريبٍ
وحبيبْ
يطردُ الأحلامَ من سفحِ
الجفونْ
ويشقُّ الأرضَ بحثًا
عن ظنونْ
أُسندَ الأمرُ إلى
غيرِ الرعاةْ
ضاقت الأرضُ شجونًا
وَرُفـاةْ

¤
¤

خنادقُ الضباب

شمس للنشر والإعلام. القاهرة 2009م


28 سبتمبر, 2009

Il suffit parfois d'un rien

Il suffit parfois qu'on aime
Pour pouvoir écrire un joli poème
Alors la muse vous coule des doigts
Docile, soumise comme une proie
¤
Il suffit parfois d'une goutte de pluie
Pour que toute la nature vous sourit
Alors toutes les fleurs s' épanouissent
Et tous les coeurs de joie se réjouissent
¤
Il suffit parfois d'un petit sourire
Pour empêcher un désepéré de périr
Un sourire est une bouée de sauvetage
A même de ramener l' homme au rivage
¤
Il suffit parfois d' un rien
Pour que vous sentierz fort bien
Alors vous ouvrez vos bras à tout le monde
Et toutes les rancunes de la terre se fondent
¤
¤
P: 12

Ma muse à moi

Fouzia DENDAN
Couverture
El Yazid KHARBACH
Impremerie El jossour Oujda 2004